الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
301
شرح ديوان ابن الفارض
ظهر يحبونه ، فإذا ظهرت المحبة الإلهية في العبد ظهرت منه أسرار معاني القرآن العظيم وانكشفت له العلوم الإلهية والمعارف والحقائق الربانية فكانت تلك المحبة الإلهية متضمّنة للقرآن العظيم بمنزلة المصحف المتضمّن لذلك ، فلهذا يكاد يجلّها كالمصحف . وقوله لو قال تيها إلى آخر البيت ، يعني لو كلّفني هذا المحبوب الحقيقي بأن أدوم قائما على النار الموقدة بأشدّ الأحطاب فإني أمتثل أمره لا خوفا منه ولا رجاء فيه بل حبّا وشغفا في وجهه الكريم كيف ولم يأمرني بشيء من ذلك محبة منه لي ورحمة . قال تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : الآية 286 ] ، وقال : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحجّ : الآية 78 ] ومنه إشارة إلى أنه بعد كمال معرفته باللّه تعالى والتحقّق به هو قائم بخدمة أوامره ونواهيه على أكمل الوجوه وأتمّ الأحوال ، وكذا قوله أو كان من يرضى إلى آخر البيت . لا تنكروا شغفي بما يرضى وإن هو بالوصال عليّ لم يتعطّف [ المعنى ] هذا البيت بمنزلة الجواب عن السؤال المقدّر تقديره ما بالك تبادر إلى رضاه وهو لا يتعطّف عليك بما تحبه وتهواه ، ونقرير الجواب لا تنكروا أيها الأحباب عليّ مبادرتي إلى رضاه وإن عطف على غيري ولم يتعطّف عليّ . والجواب في قوله رضي اللّه عنه : غلب الهوى فأطعت أمر صبابتي من حيث فيه عصيت نهي معنّفي [ المعنى ] يعني ما شغفت بما يرضاه واتّبعت في مطلوبه رضاه إلا لأن هواي قد غلب فألزمني له بما طلب وأطعت ما أمرت به الصبابة ، وما أطعت أمرها إلا بعصيان نهي معنّفي لأن ما يأمر به المعنّف ضد ما تأمر به الصبابة فلا أستطيع إطاعة أحدهما إلا بعصيان الآخر . والهاء في فيه يعود إلى الهوى . وفي البيت المقابلة بين الطاعة والعصيان ، وبين الأمر والنهي . وقوله « من حيث » متعلق بأطعت إذ المراد أطعت أمر الصبابة من جهة المكان الذي عصيت فيه نهي من عنّفني . وقوله : مني له ذلّ الخضوع إلى أواخر القصيدة في شرح حاله مع الحبيب وأنه لحديث عجيب ونوع من العشق غريب . منّي له ذلّ الخضوع ومنه لي عزّ المنوع وقوّة المستضعف [ المعنى ] هذا شرح لحاله بعد غلبة الهوى ومبالغة الجوى ، فحالي معه ذلّ الخضوع . اعلم أن المشهور في الرواية الخضوع بضم الخاء على أنه مصدر ، فيصير المعنى مني لحبيبي ذلّ ناشىء من خضوعي له فالإضافة بمعنى اللام وإن شئت قدّرت المعنى منّي